السبت، 27 مارس 2010

رياحٌ من الماضي - ثلاثُ جدّاتٍ وخــالة -

فأنا لم أكن كبقية الأولاد..
فقد كان لديّ.. "ثلاثُ جدّات"..
جدتي الثالثة.. كانت الزوجة الثانية لجدي.. والتي كانت أرملةُ أخيه..
وقد استلوى عليها جدّي بعد وفاة أخيه حتى لا يخرج ميراث العائلة.. للغريب.. خصوصًا أنّ أخاه لم يكن لديه أولاد.
لم أكن أعرف قصتها وأنا صغيرة.. كل ما كنتُ أعرفه أني كنتُ أُناديها "جدّتي".. لأن علامات التقدم بالسن كانت باديةً عليها.. ولأنها كانت كما جدتيّ الحقيقيتان.. ترتدي ثوبًا أسودًا.. و "شمبر" يُزينهُ شالٌ ملون تعصبُ به رأسها..
لستُ أذكرُ منها الآن إلا صوتُ معزوفتها الفريدة وهي تطحن الهيل باستخدام "المهباش" الخشبي، الاستقراطي الشكل، فقد كان قطعة نفيسة في تلك الأيام.. واليوم هو قطعة نادرة وتراث..
كان صوت طرقها به فريدًا جدًا.. فقد كانت تستخدمه بمهارةٍ عالية.. لتضع ما تطحنه به ليغلي مع القهوة لتفوح رائحة لم يُخفها الزمن من أعماقي إلى الآن..
ولأني.. لم أسمع بعدها صوته مجددًا أبدًا.. ولأن "مهباشها" أصبح الآن قطعةً أثرية تضعُها زوجة جدي الثالثة في بيتها، بعد أن رحلت جدّتاي..
زوجة جدي هذه أُناديها بالخالة.. لأني لم أشعُر معها بذرة حنانٍ يومًا.. بالرغم من أنّ دموعها كانت تفيضُ فيضًا كلما سافرتُ للخارج.. لكني لم أستشعر يومًا حرارة حقيقة من دموعها..
قيل لي أن جدّتي غير الحقيقية والتي كانت تُناديني "زوزان" طلبت رؤيتي في أواخر أيامها في المستشفى.. ولكن لم يتأتى لي رؤيتها أبدًا..


أما جدّتي لوالدتي.. فقد كانت مصدرُ حنانٍ لا ينضب.. لدرجة أن الذهاب إليها كان أفضل مكانٍ أذهبُ إليه..
ففي كل إجازةٍ ولدى عودتنا للبلدة.. كنتُ أصرُّ على أهلي بالمبيت عندها.. وكنتُ أطالب أمي بالنقود للذهاب لدكان العم العجوز الذي نسيتُ اسمه..
وكنتُ أعلم في كل مرة.. أنّ جدتي من ستعطيني النقود.. =)
أذكُر أني استيقظتُ ذات يومٍ على أهزوجة النجّار "مصباح" الذي كان صوتُ منجرته تطربُ "الحارة" بأكملها..
ولا يزالُ والدي مصرًا إلى الآن أن قطعه هي الأفضل على الإطلاق..
كانت جدّتي وقتها تُحمصُّ بنّ القهوة العربية باستخدام "المحماسة" والتي عرفتُ اسمها منذُ قريب.. فقد كنتُ طيلة الوقت أُسميها بالملعقة الكبيرة..
كانت تُحمصُها على لهب "الببور" قبل أن تقوم بطحنها.. رائحة البُن كانت لذيذة جدًا.. وصوت "المحماسة" لا يزالُ يتردد في أّذني لكأنه الآن..


أما جدّتي لوالدي والتي كانت تُدعى "عيشة"..
لا أدري أيُّ عيشةٍ تلك التي عاشتها مع جدي.. فلم يعرفها أحدٌّ إلا وجزم أن حياتها كانت نكدًا.. وبأنها عانت الأمرين مع جدي..
كانت جدّتي بذات ثوبٍ قماشيٍ أسود ترتديه دومًا.. وحين تتزيّن.. كانت ترتدي ثوبًا مخمليًا أسودًا.. مع شالٍ مطرزٍ بعناية فائقة.. ومهارة عالية..
تفوح من الأعماق ذكرى ذلك اليوم الذي طلبت مني به أن أُساعدها، وقتها لم أُردْ النهوض عن برنامجي المفضّل.. فكانت كُلّما أطفأت التلفاز.. أعدتُ تشغيله.. وكأني أتشاجرُ مع أحد إخوتي.. إلى أن قامت بفصل الكهرباء حتى أقوم عُنوة.. أذكرُ أنّها تعاونت مع أخي ضدي.. وأذكر أنه كانت لأخي مساحة كبيرة ملأت قلبها حُبًا.. لأن الأخير.. كان حنونًا جدًا.. رغم أنّه كان يصغرني..
لا زلتُ أذكرها تُلقمُ أخي ذو الأشهر ثديها حتى تُسكته في غياب أمي.. لا أعلمُ إن جرى الحليب في عروقها.. لكني أذكُرُ يقينًا أن أخي كان ينام في حضنها بعد وقتٍ قصير..
لكنّ شظف العيش الذي مرّت به جدّتي.. وهموم الأزمان.. والنوم في حديقة المنزل.. لم يمنع جدّتي من التشنج مرارًا أثناء ذهابها لمنزل جارتها الذي كان متنفسها..
ولم يمنعها من المعاناة في المشفى شهورًا.. أذكرُ أنّها لم تعرفني حين زُرتها في المستشفى.. بل وقتها لم تكن تقدر على الكلام إلا رمزًا..
لكنّ بالرغم من كل ما مرّت به.. لم يمنع عمي الكبير من البكاء كالأطفال عندما رحلت..
ولم يمنع والدي من الهذيان بعد أعوامٍ من رحيلها.. "آآآآه يا يمّا.. وينك يمّا" .. حين أصابه عارض منذُ مدّة..
ولم يمنع ذكراها الطيبة التي تفوحُ كما المسكُ في كل مكان..


رحمهنّ الله جميعًا.. وأدام الخالة لجدّي..

الأحد، 21 مارس 2010

حــبًا.. يحتويني.. ~



دعــني أُبح لك بسري..
فإني لأُناظر الدقائق شوقًا للقائك..

وإني لأغفو على هدير صوتك.. يُلاطفني..
يُداعبني.. يُسعدُني..
ويُنسيني..

آلام يومٍ مرّ..
ونقوش دهرٍ على مجرى شراييني..

وتمزق من أوراق كتابي..
صفحات كانت تُدميني..

ذكراها..
تُشيعُ بين أرجائي أليمَ ذكرى..
ما استطاعت دفنَها سنيني..

تعــال..
فإني لأرنو للقاء وجه..
تفاصيله رقة..
وخطوطه سمحه..
تأسرني.. تُقيدنُي.. وتقتادني إليك..
لتكونَ حضنًا يؤويني..

تعـــال..
فإن تقادم عهدُك بين أطرافي..
صرتُ ملكة لقصري..
حبُّك أعمدته..
يداك جُدرانه..
حضنُك سقفه..
وقلبُك.. تاجًا على رأسي.. يُزيننُي..
يملأني بغرور أُنثى..
وينثُر في الحنايا فرحًا.. يعتريني..

تعــال..
فإني أخطُّ الأوراق تترى..
فرحًا.. حبًا وعشقًا..
لأنك..
أرحتَ من القلب غصّة..
ومن المقُل.. ثقلُ دمعة..
ومن ماضيّ قتلتَ خيالاتٍ كانت تُضنيني..

تعــال ضاحكني..
وابسم لحمق تصرفاتي.. انزلاق حروفي.. وبعثرتي في ترتيب جُملي..
وعلّق بين أحضانك..
صور طفولتي..
ورقة أنوثتي..
وابقَ قربي.. لشيخوخةٍ تنـتـظرني..
لن تكون معك.. في ذكرى
كل ميلادٍ لي همًّا يسقيني..

تعـــال واملأني بك..
واملأني منك..
واملأني فيك..
وابقَ بقربي ما بقيـنا..
يا ميلاد قلبي..
ورقص مشاعري..
وحُبًا يحملُني.. ويحتويني.. 

..~

الجمعة، 19 مارس 2010

ففي عينها قطرات..!

 
تأتي الأقدار أدمعًا..
وضحكات..
 
بينها.. نكونُ نحن.. تكونُ الحياة..

لم تكن تتوقعُ الكثير.. لم تكن تتطلع إليه أصلاً..
لكن صفعاتها تلك.. احدثت ارتجاجًا في أقصى المشاعر..

رباه..
خمس سنوات..
أكانت كذبة..
أم سذاجة فتاة..!

كانت على النفس صدمة..
على القلب رجفة..
على الأنفاس شتات..

حاولتْ بنزفٍ تركيب قطع اللغز في رأسها..
لم تعُدْ إلا خائبة..
أكان كل شيء سرابًا.. بضعُ أساطير قرأتْها..
وأقوال خرافات؟؟

ايهٍ لكِ من تساؤلات..

تتدفقين برأسها الحائر ذات اليمين.. والشمالِ ذات..

تدفقي تدفقي.. لا تخشيْ..
فلصبرٍ لديها قد نفَد.. فلصبرٍ صرخات..

صرخات..

لأيــدِ سئمت الصفح..
وضحكات على مضض..
وتشبث بأستار ماضٍ مات!

لم تدرك الفتاة..
أن أقنعةً.. عقب سنين خمسةٍ سقطت..
قد حالت في روحها آلامًا..
وفي الأعيُن بضعُ..
قطرات..
..~

الاثنين، 1 مارس 2010

عالمٌ انترنتي..!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لم أدرك حقيقة وأنا أسجل في المنتديات أن ما أسطره بها.. 
بعد ثانيةٍ لن يكون ملكي.. 

في السابق.. 
كان اجتذاب عدد الردود في المنتدى "الفلاني" والآخر "العلاني" أكثر ما يهمني.. 
"يا سلااااام، ردٌ آخر!"، بالرغم من أن كل حرف يكون وليدًا من قلوبنا.. ولكن لسببٍ ما.. تعشقُ الأذن البشرية الإطراء، أو رأي الآخرين، لذا كان نشرها، لأجل أن يعطونا ما يعتقدون بها.. 

ويومًا لم ألقي بالاً لشيء يُسمى حقوق الطبع النشر.. وما إلى ذلك.. كان همي أن يروا نتاج نزف قلم من دم قلب، أو تراقصه مع ترانيم سعادة.. أو حالات متضادة.. لا بدّ أن نمرَّ بها..

يا إلهي.. 
لم أفكر حتى بهذه التدوينة إلا منذ أشهر قليلة.. 

بعد فلسفات الصمت.. أردتُ يومًا تجربة حظي.. 
هل تتطاير الحروف التي أكتبها عبر الأثير.. 
فكان نسخًا في "google" الذي نحبه لبعض حروف.. 
هناك كانت صدمة نقل حروفنا.. ليشكرهم الآخرين على ما كتبوا.. 
لدرجة أني شككتُ في نفسي.. "رباه أكانت أنا من كتبها حقًا؟؟"
شكرًا للخربشات اللطيفة على الأوراق.. وبعضًا من المحاولات التي وصلت لصديقتي التي أكّدت لي أن: "نعم يا سوزان، كان أنتِ من كتبها".. 

أكثر ما استغربته كان التوقيت.. الذي كان بعد بضع ساعاتٍ من وضعها في ذاك الملتقى الذي أعشق، والذي يحرم النقل.. 
لذا لم أدرك لعقليتي الساذجة أن هناك من يتعطشون أحرفًا تكون لهم.. 
حتى وإن كانت.. مسروقة!

تلك المرة.. أردت أن أدافع نفسي.. 
لاحقًا أدركت أني لن أتمكن من مطاردة الفلول أجمعها!

على أي حال، أجزمُ أني أخذتُ نصيبًا جيدًا من التوبيخ من قبل أستاذي.. الذي نبّهني للأمر مرارًا.. ! 
أجزم أني شعرتُ بالغيرة ممن يشكرهم الآخرين على ما كتبته.. لأسلمه لهم هديّة..
أجزم أني أنتظرُ أمرًا يحدث حتى أضع  اسمي في التدوينة.. لكن حتى يُقضى أمرٌ.. أسأل الله أن يكون مفعولاً..
أجزمُ أني شعرتُ بالسعادة حين رأيتها تتبعثر في الأثير في أرجاءٍ عدة.. 
وحينها.. 
حرصٌ على عدم كتابة ما أندمُ عليه يومًا.. بإذن الله.. 

حقًا كان مجرد لهو أردت أن أعرف نتائجه حين بدأتُ البحث..

وتساؤل.. 
أنواصل لمنتدىً عرّفنا بأشخاصٍ رائعين بالعطاء؟ 
أم نتوقف لأجل تسمية الحقوق؟؟؟ 

بالمناسبة.. لأجل هذه الحقوق عليّ أن أذكر أن جميع الصور في التدوينة لم تكن ملكي.. -عدا واحدة في موضوع آخر- حتى هذه بالأعلى، ليست ملكي، إنما أخذتها من مكانٍ ما! 
وهنا لا أدري.. أستأذنُ في وضع الصور ممن؟ أم أضعها .. والسلام؟؟

قد نقدر على الحلول الذكية.. كأن نحفظها لأنفسها أولاً.. 
من ثمَّ ننشرها.. 
لستُ أدري.. فهل للمارين من حلول أو آراء؟؟ 

في النهاية.. 
لأرواحكم منّا أطيبُ تحيةٍ.. وسلام..